السيد محمدحسين الطباطبائي

76

الإعجاز والتحدى في القرآن الكريم

يمكن نيله والعلم به هو تأويل المتشابهات بمعنى حقيقة المعاني التي تدل عليها أمثال آيات الصفات ، فهب أنّا علمنا معنى قوله إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، و أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ونحو ذلك لكنا لا ندري حقيقة علمه وقدرته وسائر صفاته وكيفية أفعاله الخاصة به ، فهذا هو تأويل المتشابهات التي لا يعلمها إلّا اللّه تعالى ، انتهى ملخصا ، وسيأتي ما يتعلق بكلامه من البحث عندما نتكلم في التأويل إن شاء اللّه . الثالث عشر : أن المحكم ما للعقل إليه سبيل والمتشابه بخلافه . وفيه : أنه قول من غير دليل ، والآيات القرآنية وإن انقسمت إلى ما للعقل إليه سبيل وما ليس للعقل إليه سبيل ، لكن ذلك لا يوجب كون المراد بالمحكم والمتشابه في هذه الآية استيفاء هذا التقسيم ، وشيء مما ذكر فيها من نعوت المحكم والمتشابه لا ينطبق عليه انطباقا صحيحا ، على أنه منقوض بآيات الأحكام فإنها محكمة ولا سبيل للعقل إليها . الرابع عشر : أن المحكم ما أريد به ظاهره والمتشابه ما أريد به خلاف ظاهره ، وهذا قول شائع عند المتأخرين من أرباب البحث ، وعليه يبتني اصطلاحهم في التأويل : أنه المعنى المخالف لظاهر الكلام ، وكأنّه أيضا مراد من قال : إن المحكم ما تأويله تنزيله ، والمتشابه ما لا يدرك إلّا بالتأويل . وفيه : أنه اصطلاح محض لا ينطبق عليه ما في الآية من وصف المحكم والمتشابه فإنّ المتشابه إنما هو متشابه من حيث تشابه مراده ومدلوله ، وليس المراد بالتأويل المعنى المراد من المتشابه حتى يكون المتشابه متميزا عن المحكم بأن له تأويلا بل المراد بالتأويل في الآية أمر يعم جميع الآيات القرآنية من محكمها ومتشابهها كما مرّ بيانه . على أنه ليس في القرآن آية أريد فيها ما يخالف ظاهرها ، وما يوهم ذلك من الآيات إنما أريد بها معان تعطيها لها آيات أخر محكمة ، والقرآن يفسر بعضه بعضا ، ومن المعلوم أن المعنى الذي تعطيه القرائن - متصلة أو منفصلة - للفظ ليس بخارج عن ظهوره وبالخصوص في كلام نص متكلمه على أن ديدنه أن يتكلم بما يتصل بعضه ببعض ، ويشهد بعضه على بعض